طروس
ها أنت الآن.. مطوّقٌ بالصمت والضياع، بُعدان شرِهان تسابقتْ أفواهُهما إليك ليلتهماك بلا رأفة، تخيب بوصلة الكتابة في سعيها الحثيث لتُعيدك لك، الكلمات المخاتلة والمعنى اللعوب الذي لم يسأم لعبة الاختفاء والمراوغة، مُحاطًا بأعداء  بلا أسماء ولا ملامح ولا وجود.

ها أنت الآن.. مطوّقٌ بالصمت والضياع، بُعدان شرِهان تسابقتْ أفواهُهما إليك ليلتهماك بلا رأفة، تخيب بوصلة الكتابة في سعيها الحثيث لتُعيدك لك، الكلمات المخاتلة والمعنى اللعوب الذي لم يسأم لعبة الاختفاء والمراوغة، مُحاطًا بأعداء بلا أسماء ولا ملامح ولا وجود.

- نيكوس كازانتزاكيس.

- نيكوس كازانتزاكيس.

باولا - إيزابيل اللندي.

باولا - إيزابيل اللندي.

 كان للشعر في ذهني تصوّر راسخ قديم كما عرّفه جعفر ابن قدامة: “كلام له معنى مقفّى وموزون “تلك الصيغة الوحيدة بمعتقدي التي تستحق معها أن يسمّى بها الشعرُ شعرًا.. ولا دون ذلك! . لذا لم أحاول أن أبحث عن الشعر في غير هذا المعنى, وبناءً على ذلك فلم تكن لقصيدة فضيلة ولا قيمة ترتقي بها ما لم تكن مقفّاة وموزونة وعلى عباب بحور الخليل تمخر أبياتها.. ولم أكلّف نفسي مرّة لاقرأشعرًا مترجمًا، ولغتي اليتيمة الهزيلة لم تشاركها أخت حتى أطلّع على قصائد أُخر..إلى أن جاء اليوم الذي اقرأ فيه “لوركا” الاسباني الحزين, وفتنة أندلسيّته العابقة.. فشتتّ هذا المعنى المرسوم، وجعل للشعر معنى الفنّ، لا تطويه الأوزان، وتفيض به البحور.كانت أولى لقاءاتي به في “يرما”.. بترجمة قديمة لعميد الترجمة عبد الرحمن بدوي، زاد بترجمته فتنة الشاعرية اللوركية.السؤال المُلحّ، كيف استطاع أن يُضمّن هذا الشاعر الذي لم يجرّب حتى الأبوّة, أن يفيض ويصف أخصّ خصائص الأمومة  المكلومة، ومرارة العُقموطبائع الرّيف، ويستعرض ما بين الممكن والمستحيل, والبراءة والمكر.. والحلم والواقع, اليأس والأمل, ومقابلة بديعة تتوارى ما بين أمومة الأرض والمرأة.. والفرق ما بين الأرض الخصيبة والأرض الجدباءوالمرأة العقيمة.. والولود, حتى وسم مسرحيّته الشعرية باسم “يرما” أي: الجدباء القاحلة.ترجمة مسرحية يرما لعبد الرحمن بدوي: ملف PDF

كان للشعر في ذهني تصوّر راسخ قديم كما عرّفه جعفر ابن قدامة: “كلام له معنى مقفّى وموزون “
تلك الصيغة الوحيدة بمعتقدي التي تستحق معها أن يسمّى بها الشعرُ شعرًا.. ولا دون ذلك! .
لذا لم أحاول أن أبحث عن الشعر في غير هذا المعنى, وبناءً على ذلك فلم تكن لقصيدة فضيلة ولا قيمة ترتقي
بها ما لم تكن مقفّاة وموزونة وعلى عباب بحور الخليل تمخر أبياتها.. ولم أكلّف نفسي مرّة لاقرأ
شعرًا مترجمًا، ولغتي اليتيمة الهزيلة لم تشاركها أخت حتى أطلّع على قصائد أُخر..

إلى أن جاء اليوم الذي اقرأ فيه “لوركا” الاسباني الحزين, وفتنة أندلسيّته العابقة.. فشتتّ هذا المعنى المرسوم، وجعل للشعر معنى الفنّ، لا تطويه الأوزان، وتفيض به البحور.
كانت أولى لقاءاتي به في “يرما”.. بترجمة قديمة لعميد الترجمة عبد الرحمن بدوي، زاد بترجمته فتنة الشاعرية اللوركية.

السؤال المُلحّ، كيف استطاع أن يُضمّن هذا الشاعر الذي لم يجرّب حتى الأبوّة, أن يفيض ويصف أخصّ خصائص الأمومة المكلومة، ومرارة العُقم
وطبائع الرّيف، ويستعرض ما بين الممكن والمستحيل, والبراءة والمكر.. والحلم والواقع, اليأس والأمل, ومقابلة بديعة تتوارى ما بين أمومة الأرض والمرأة.. والفرق ما بين الأرض الخصيبة والأرض الجدباء
والمرأة العقيمة.. والولود, حتى وسم مسرحيّته الشعرية باسم “يرما” أي: الجدباء القاحلة.

ترجمة مسرحية يرما لعبد الرحمن بدوي: ملف PDF

راشومون.. حينما تتعدد الوجوه للحقيقة، نكاد نفقد الثقة حتى في ذواتنا!.
مرّ بي المصطلح لأول مرّة وأنا اقرأ كتابي الأثير “هروبي إلى الحرية” لصاحبه العقل الفذّ والروح العذبة “علي عزّت بيجوفيتش”
اكتشفت الفيلم لاحقًا بإخراج الأسطورة الفنية (أكيرا كوروساوا) مقتبسًا حكاية الفلم من قصّتين للكاتب اكوتاجاوا ريونوسوكي
الفلم عبارة عن حادثة قتل لرجل ساموراي تتم في الغابة، وبعدّة شهود: رجل حطّاب, كاهن, زوجة الساموراي المقتول, قاطع طريق ولصّ.
لكلٍ منهم حكاية مناقضة للأخرى وداحضة لها, وكلُّا من روايات الشهود واقعية ومعقولة ولها من الدلالات في مسرح الجريمة ما يصدّقها بالدرجة نفسها، لكن أيًّا منها
هي الرواية الحقيقية الصادقة حقًّا؟  
لا أحد يعرف، إنها دوّامة يغرق فيها من يفكّر ويحاول الاستنتاج، كل شخص من هؤلاء يروي حكايةً تتفق مع ميوله ومن أجل مطامع خاصة لا يُفصح عنها.
 لا أحد بريء منهم، ولا أحد في الوقت ذاته يصدق.. من ينطق الحقيقة مجرّدة من غير تلطيخ؟ أو يُدلي بشهادة منزوعة عن كل رؤاه هو كما حدثت فعلًا؟
” *يحدث غالبًا بأن يكون الناس شهودًا للحدث نفسه، سواء مشاركين فيه أو متفرجين، يرون ويصفون بشكلٍ مختلف!.
كل واحد يقتنع بروايته، كيف يمكن توضيح ذلك؟ اعتقد بأن التفسير الوحيد هو أنّ مراقبتنا ليست دائمًا ميكانيكية وموضوعية.
ففيها وفي تصوّرنا للحدث تختلف أفكارنا دائمًا، وعواطفنا، ورغباتنا وشهواتنا. ومن هنا الرؤى مختلفة والكثير من سوء التفاهم”. 
_____
 * هروبي إلى الحرية [ص:72]ـ

راشومون.. حينما تتعدد الوجوه للحقيقة، نكاد نفقد الثقة حتى في ذواتنا!.

مرّ بي المصطلح لأول مرّة وأنا اقرأ كتابي الأثير “هروبي إلى الحرية” لصاحبه العقل الفذّ والروح العذبة “علي عزّت بيجوفيتش

اكتشفت الفيلم لاحقًا بإخراج الأسطورة الفنية (أكيرا كوروساوا) مقتبسًا حكاية الفلم من قصّتين للكاتب اكوتاجاوا ريونوسوكي

الفلم عبارة عن حادثة قتل لرجل ساموراي تتم في الغابة، وبعدّة شهود: رجل حطّاب, كاهن, زوجة الساموراي المقتول, قاطع طريق ولصّ.

لكلٍ منهم حكاية مناقضة للأخرى وداحضة لها, وكلُّا من روايات الشهود واقعية ومعقولة ولها من الدلالات في مسرح الجريمة ما يصدّقها بالدرجة نفسها، لكن أيًّا منها

هي الرواية الحقيقية الصادقة حقًّا؟  

لا أحد يعرف، إنها دوّامة يغرق فيها من يفكّر ويحاول الاستنتاج، كل شخص من هؤلاء يروي حكايةً تتفق مع ميوله ومن أجل مطامع خاصة لا يُفصح عنها.

 لا أحد بريء منهم، ولا أحد في الوقت ذاته يصدق.. من ينطق الحقيقة مجرّدة من غير تلطيخ؟ أو يُدلي بشهادة منزوعة عن كل رؤاه هو كما حدثت فعلًا؟

 *يحدث غالبًا بأن يكون الناس شهودًا للحدث نفسه، سواء مشاركين فيه أو متفرجين، يرون ويصفون بشكلٍ مختلف!.

كل واحد يقتنع بروايته، كيف يمكن توضيح ذلك؟ اعتقد بأن التفسير الوحيد هو أنّ مراقبتنا ليست دائمًا ميكانيكية وموضوعية.

ففيها وفي تصوّرنا للحدث تختلف أفكارنا دائمًا، وعواطفنا، ورغباتنا وشهواتنا. ومن هنا الرؤى مختلفة والكثير من سوء التفاهم”. 

_____

 * هروبي إلى الحرية [ص:72]ـ


 بدت لي فجأة رغبتي المكشوفة عند الصباح في التجسس على المستقبل والإمساك به قبل أن يولد!، ثم أحسست به كأنما كان إنتهاكًا للقدسيّات..
إنّني أذكر صباح يومٍ اكتشفت فيه شرنقة في قشرة شجرة، في اللحظة التي كانت فيها الفراشة تُحطّم الغلاف، وتتهيّأ للخروج.
وانتظرت فترة طويلة لكنها تأخّرت, وكنت مستعجلاً.. وبعصبيّةٍ، انحنيتُ وأخذتُ ادفّئها بأنفاسي.
كنتُ ادفّئها بنفاد صبر، وبدأت المعجزة تتمُّ أمامي، بأسرع مما تتمُّ بالعادة، انفتح الغلاف!، وخرجت الفراشة تجرُّ نفسها جرًّا.
ولن أنسى مُطلقًا الشناعة التي شعرتُ بها عندئذٍ، فجناحاها لم يكونا قد تفتّحا بعد، وراحت تحاول بكل جسدها الصغير المرتعد أن تنشرهما.
وأخذتُ أساعدها بأنفاسي، وأنا مُنحنٍ فوقها، لكن عبثًا! . كان لا بُدَّ لها من نُضجٍ بطيء، ولا بدّ للأجنحة من أن تنمو ببطء تحت الشمس، أما الآن.. فقد فات الأوان.
لقد أجبرتْ أنفاسي الفراشة على الظهور, مُثخنة, قبل موعدها وارتجفتْ يائسة, وبعد عدّة ثوانٍ ماتت في راحة يدي!.

هذه الجُثّة الصغيرة لفراشة، هي أشدُّ ما يُثقل على ضميري، على ما اعتقد، لأن اغتصاب القوانين الكبرى -وأنا أفهمُ ذلك جيّدًا- خطيئة مُميتة!.
يجب ألّا نستعجل، ألّا نفقد الصبر، وأن نتبّع بثقة النسق الكوني.


 
زوربا - نيكوس كازانتزاكيس

 بدت لي فجأة رغبتي المكشوفة عند الصباح في التجسس على المستقبل والإمساك به قبل أن يولد!، ثم أحسست به كأنما كان إنتهاكًا للقدسيّات..

إنّني أذكر صباح يومٍ اكتشفت فيه شرنقة في قشرة شجرة، في اللحظة التي كانت فيها الفراشة تُحطّم الغلاف، وتتهيّأ للخروج.

وانتظرت فترة طويلة لكنها تأخّرت, وكنت مستعجلاً.. وبعصبيّةٍ، انحنيتُ وأخذتُ ادفّئها بأنفاسي.

كنتُ ادفّئها بنفاد صبر، وبدأت المعجزة تتمُّ أمامي، بأسرع مما تتمُّ بالعادة، انفتح الغلاف!، وخرجت الفراشة تجرُّ نفسها جرًّا.

ولن أنسى مُطلقًا الشناعة التي شعرتُ بها عندئذٍ، فجناحاها لم يكونا قد تفتّحا بعد، وراحت تحاول بكل جسدها الصغير المرتعد أن تنشرهما.

وأخذتُ أساعدها بأنفاسي، وأنا مُنحنٍ فوقها، لكن عبثًا! . كان لا بُدَّ لها من نُضجٍ بطيء، ولا بدّ للأجنحة من أن تنمو ببطء تحت الشمس، أما الآن.. فقد فات الأوان.

لقد أجبرتْ أنفاسي الفراشة على الظهور, مُثخنة, قبل موعدها وارتجفتْ يائسة, وبعد عدّة ثوانٍ ماتت في راحة يدي!.

هذه الجُثّة الصغيرة لفراشة، هي أشدُّ ما يُثقل على ضميري، على ما اعتقد، لأن اغتصاب القوانين الكبرى -وأنا أفهمُ ذلك جيّدًا- خطيئة مُميتة!.

يجب ألّا نستعجل، ألّا نفقد الصبر، وأن نتبّع بثقة النسق الكوني.

 

زوربا - نيكوس كازانتزاكيس